إنكار انخفاض أسعار الأراضي والعقار

في الوقت الذي كانت أسعار الأراضي والعقارات تسابق الريح صعودا، خاصة خلال الفترة 2006 ـــ 2014 لم يكن أحد يستطيع إنكار هذا الرالي المجنون للأسعار، سرعان ما ظهرت أزمة الإسكان كأكبر أزمة تنموية محلية على السطح المجتمعي والإعلامي بصورة لا مثيل لها قبل منتصف 2011، لتدخل الأزمة في سجالات واسعة وعاصفة بين الأطراف كافة على كل المستويات، وظلت أزمة الإسكان من جانب؛ تتفاقم بصورة أكبر من السابق نظير تمتع التشوهات التي أفضت إليها بالنأي عن إصلاحها ومعالجتها، ومن جانب آخر استمرت وتيرة الأسعار المتضخمة في الاشتعال أكثر وأكثر.

 

أقر كثير من القرارات والإجراءات طوال عقد زمني مضى، بعضها تحقق، والبعض الآخر وهو الأكثر والأثقل وزنا تعطل سيره قبل حتى أن يخطو خطوته الأولى، لعل من أهمها نظام الرسوم على الأراضي الذي استغرق سنوات عديدة إلى أن رأى النور هذا العام.

اليوم، نحن نقف على مشهد خلاصته عشرات الملايين من عروض بيع الأراضي والعقارات والمساكن (تقدر قيمتها السوقية بأسعار اليوم بأكثر من 4.7 تريليون ريال)، في المقابل يتضاعف حجم الطلب أفراد المجتمع على الأراضي السكنية والمساكن، لكن لا توجد قدرة كافية لديهم على الشراء! وكأننا تعلقنا جميعا بين السماء والأرض، البائعون المحتملون يرفضون التنازل عن أسعارهم المستهدفة، والمشترون المحتملون عاجزون تماما عن الشراء بتلك الأسعار!

لهذا شهدت السوق العقارية انحدارا هائلا في قيمة صفقاتها بنحو 49 في المائة خلال الفترة بين تموز (يوليو) 2014 وتموز (يوليو) 2016، أي أن السوق العقارية فقدت نصف قيمة تعاملاتها خلال أقل من عامين، وبعد أن قُطع الشك باليقين تجاه أهم أداة لإصلاح السوق العقارية، ممثلة في “الرسوم على الأراضي البيضاء” التي أنبرى لها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، لتتحول من مجرد حلم طالما انتظره 21 مليون سعودي وسعودية لأعوام طويلة، إلى حقيقة واقعة على الأرض، سبق موعد إقرارها تهاوي أسعار النفط عالميا بدءا من منتصف 2014، ألقى بظلاله القاتمة وما زال على تحجيم الإنفاق الحكومي الكبير طوال العقد الماضي، وتأثيره الشديد على الإنفاق الرأسمالي على وجه التحديد، شهد الاقتصاد الوطني انعكاساته العميقة بصورة أكبر مع مطلع العام الجاري، بتباطؤ النمو الاقتصادي الكلي إلى 1.5 في المائة، وبدء السيولة المحلية بتسجيلها لمعدلات نمو سنوية سلبية وصلت إلى 4.0 في المائة لأول مرة منذ أكثر من عقدين من الزمن.

ثم أثناء تلك الفترة؛ شهد القطاع التمويلي المحلي بدء العمل بأنظمة التمويل العقاري الجديدة مع مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، ملجما بذلك الائتمان المفرط الذي كان أحد قنوات تضخيم أسعار الأراضي والعقارات، كل تلك التطورات تزامنت مع ارتفاع متسارع ولافتا جدا لوعي أفراد المجتمع تجاه قضايا وتحديات أزمة الإسكان، وأن التورط في تحمل ديون بنكية طائلة لأجل شراء أصول عقارية بهذه الأسعار المتضخمة جدا، والقبول باستقطاع ثلاثة أرباع دخلهم الشهري لأجل سداد تلك المديونيات الهائلة، أمر مكلف جدا على المستوى المعيشي بالنسبة لهم، عدا أنه يحمل في طياته مستوى عال من المخاطرة، بعد أن تأكد لديهم بفضل انتشار بيانات ومعلومات السوق العقارية بصورة يومية، التي كانت غائبة تماما طوال العقد الماضي، أقول إن الأفراد بعد أن تأكد لديهم بدء الأسعار في التراجع تدريجيا منذ مطلع الربع الثاني من 2015، أي بعد إعلان توصية مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بضرورة إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات، لتكتمل بذلك أهم العوامل اللازمة لإغلاق الطريق وسده تماما أمام أية ارتفاعات محتملة لأسعار الأراضي والعقارات.

تشهد السوق العقارية في الوقت الراهن، انخفاضا واضحا في الأسعار وصل في المتوسط بالنسبة للأراضي السكنية إلى 19.0 في المائة (بعض المدن تجاوز 30 إلى 37 في المائة خلال عام واحد فقط)، وتأرجحت نسب الانخفاض بالنسبة لمختلف الوحدات السكنية (شقق، عمائر، فلل) بين نسبة 9.0 في المائة إلى نحو 28.0 في المائة، وهو ما حرصت صحيفة “الاقتصادية” على إبرازه وإيصاله للمجتمع، عبر التقرير العقاري الأسبوعي الذي انتظمت في نشره أسبوعيا منذ نحو عامين حتى تاريخ اليوم، وهو التقرير الذي يستند 100 في المائة إلى البيانات والمؤشرات العقارية التي تنشرها وزارة العدل مشكورة على موقعها الإلكتروني.

إنها نتائج متوقعة وطبيعية جدا، أن تبدأ الأسعار المتضخمة للأراضي والعقارات في الانخفاض، وأن تتسارع وتيرة الانخفاض مستقبلا في ظل زيادة اتساع وقوة تأثير العوامل الاقتصادية والهيكلية الراهنة المشار إلى أهمها أعلاه، وهو أحد أهم أهداف الدولة من وراء إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، التي وضعت نصب عينيها استهداف الداء الأول وراء الأزمة الإسكانية ممثلا في الاحتكار، كونه الداء والتشوه الأكبر الذي وقف خلف هذه الوعثاء العارمة في السوق العقارية أولا ثم الإسكان، ولا ينكر ذلك إلا طرف أوجعه أيما إيجاع، أن يرى هرما عملاقا لأسعار الأراضي والعقار اعتاد على رؤيته يتنامى يوما بعد يوم طوال عقد زمني مضى، وقد بدأ يتهاوى على رأسه ريالا بعد ريال، فلا عجب أن علت الصدمة والذهول وجهه.

الواقع اليوم أن الأسعار المتضخمة للأراضي والعقارات تتهاوى وتتراجع، وستتسارع وتيرة انخفاضها بصورة أكبر اليوم وغدا وبعد غد، والإثباتات مدونة على موقع وزارة العدل توثقها الصفقات العقارية، ولا يضير أفراد المجتمع بمثقال ذرة أن تتصاعد أصوات الإنكار، سواء من ملاك الأراضي والعقارات أو من السماسرة أو من أي تابع لتلك الأطراف، وسيظلون على إنكارهم أعواما عديدة ومديدة إلى ما شاء الله، ولا تتعجب أبدا أن تقرأ أو تسمع أو ترى كل يوم أحدهم على إنكاره ذلك، حتى تحت انخفاض السعر من 2000 ريال للمتر المربع إلى أقل من 400 ريال للمتر المربع، وهو أمر له مبرراته المفهومة، أن تتصاعد قوة الصدمة لدى تلك الأطراف العقارية! المهم هنا أن يحافظ أولئك القوم على هدوء أعصابهم من الانفلات، وأن يحافظ أفراد المجتمع على هدوئهم والثقة التامة بإمكانية تملكهم مساكنهم بما يتوافق مع طموحاتهم ومقدرتهم. والله ولي التوفيق.


التعليقات


أضف تعليقا

تم ارسال التعليق .. سيتم مراجعة التعليق ومن ثم عرضه... شكرا لك

عضو في عقار تداول

Error message here!

إظهار Error message here!

هل نسيت كلمة المرور؟

هل نسيت كلمة المرور؟... يرجى كتابة بريدك الإلكتروني المسجل لدينا ليتم ارسال كلمة المرور عبر البريد الإلكتروني

Error message here!

الرجوع لصفحة الدخول